الكريم الحرّ ليس له عمر
رثائيّة أبي تمّام في محمّد الطّوسيّ
التّقديم
الكريم الحرّ ليس له عمر رثائيّة منظومة على بحر الطّويل التّامّ قالها أبو تمّام في رثاء محمّد الطّوسيّ الّذي خاض في عهد المأمون نزالا ضدّ بابك لكنّه هزم وقتل رغم ما أظهره من شجاعة وبأس وصبر وهي رثائيّة يخترقها نفس حماسيّ قويّ أثّر فيها شكلا ومعنى إذ لوّنها بألوانها مثلما لوّن الرّثاء بوصفه غرضا شعريّا بألوان الحماسة فجعل بينهما تفاعلا جدليّا أساسه ثنائيّة التّأثّر والتّأثير وبذلك تكون الحماسة عابرة لأغلب أغراض الشّعر متسرّبة فيها وليست حكرا على غرض دون آخر.
الموضوع
يرثي أبو تمّام محمّد الطّوسيّ ويعدّد مظاهر صموده أثناء المعركة عاملا على جعل هزيمته انتصارا.
المقاطع
البناء النّموذجيّ
- التّفجّع
- التّأبين
- التّعزية
نزع أبو تمّام إلى بناء مرثيّته وفق البناء النّموذجيّ الموروث للرّثاء إذ استهلّ بقسم تفجّع استغرق البيتين الأوّلين وفيه عمد إلى تعظيم هول المصيبة الحادثة أمّا القسم الثّاني فهو في التّأبين الخالص وقد امتدّ من الببت الثّالث إلى البيت الثّالث إلى البيت الحادي عشر ومداره على تعداد مآثر المرثيّ ومظاهر صموده في المعركة على أنّ القسم الثّالث الّذي مسح بقيّة الأبيات فهو قسم مزج فيه الشّاعر بين التّعزية والتّأبين.
1- التّفجّع
- تواترت في قسم التفجّع مفردات تنتسب إلى معجم رثائيّ خالص (الخطب/الأمر/ … )
- تظهر الرّثائيّة مشبعة بنفس حماسيّ منذ مطلعها.
- يبدو الرّاثيّ صوتا منفعلا لم يجد سوى الأمر حلية لغويّة يضخّم بها إحساسه بالفاجعة.
- إنّ المصيبة تكفّ عن كونها مصيبة عرضيّة لتصبح مصيبة هائلة وهذا ما عبّر عنه النّفي الّذي توسّل به الشّعر في عجز المطلع ليزيل أيّ حجّة عن غيّر الباكين لمحمّد المرثيّ
- جرت في الخبر المنفيّ استعارة تصريحيّة شبّه فيها الدّمع بالماء لجامع الغزارة والكثرة بينهما.
- إنّ ما ينشده أبو تمّام هو جعل موت محمّد الطّوسيّ موتا أسطوريّا يهتزّ له الجميع وأن يتأثّر لموته الكون وما عظّم من وقع المصاب تعمّد الشّاعر المقابلة بين الزّمن السّابق لوفاة محمّد والزّمن اللاّحق لها فقبل وفاة المرثيّ كانت المثل محروسة والآمال متحقّقة والقيم مصونة والمسافرون منشغلون بأسفارهم أمّا بعد وفاته فقد اندثرت الآمال وانتفت القيم وهذا ما أوحت به الاستعارة: إذ شبه فيها انتهاء الآمال بوفاتها وغيّب الانتفاء وصرّح بالوفاة وهي المشبّه به لتكون الاستعارة تصريحيّة وقد جرت في فعل فهي تبعيّة اقتضت استعارة تصريحيّة وقد جرت في فعل فهي تبعيّة اقتضت استعارة مكنيّة شبهت فيها الآمال بالانسان وغيّب المشبه به وهو الإنسان وأشير إليه بلازمة من لوازمه وصرّح بالمشبه به.
- جرى أبو تمّام في مقام التّفجّع إلى المقابلة بين حال سابقة لوفاة المرثيّ وحال لاحقة بها وقد أجرى استعارة تصـريحيّة مكنيّة عبّر فيها عمّا لحق بالكون إثر وفاة محمد الطوسي فقد أسند إلى الآمال وهي من الجرّدات فعلا حسّيا هو من أخصّ خصائص الإنسان فشبّه بذلك الآمال بالإنسان وغيّب المستعار منه وأشار إليه بلازمة من لوازمه تتمثّل في الوفاة وبذلك قامت الصّورة الفنّية على استعارة مكنيّة أخرجت فيها الآمال مخرج الإنسان فاشتركت مع المرثيّ في العدول من وضع الحياة واوجود إلى وضع الوت والعدم وقد أتبعت الاستعارة بجملة مصدّرة بناسخ فعليّ ( أصبح ) يدلّ على التّعبير والصّيرورة والتّبدّل ومدار الخبر فيها على انصراف المسافرين عن الحركة والفعل إلى الجمود والثّبات وعلى هذا النّحو لم يعد موت المرثيّ حدثا فرديّا عرضيّا بقد ما أصبح حدثا كونيّا يمسّ الكون بأسره ويصيب مجرّداته ومحسوساته ويتّضح بذلك ثابت من ثوابت شعر الحماسة.
- إنّ موت محمّد الطّوسيّ موت رمزيّ.
2- التّأبين
- استهلّ أبو تمّام قسم التّأبين باعتماد اسلوب خبريّ تقريريّ تواترت فيه جمل اسميّة تجري إلى وصف المرثيّ
- انصرف أبو تمّام في قسم التّعزية الممزوج بالتّأبين إلى تهويل الفقد وتهويل الفقد وتضخيم الخطب متوسّلا إلى ذلك بصور بيانيّة متتابعة تشترك في تحقيق تلك الغاية:
- الصورة الأولى ( ب 12 ) بنيت على أساس تشبيه تمثيليّ عقد صلة شبه بين بني نبهان وقد افتقدوا محمّد الطّوسي ونجوم السّماء وقد غاب عنها البدر ووجه الشّبه بين الصّورتين أنّ منزلة محمّد الطّوسيّ بين أهله هي منزلة البدر بين النّجوم في السّماء ومثلما يفضي غياب البدر عن الكون إلى إغراقه في الظّلمة والسّواد والقتامة فإنّ غياب محمد الطّوسيّ عن أهله منته بهم إلى الحداد والتّيه والضّياع والتّشتّت فكانت هذه الصّورة منتجة لمعنى السّواد باعتباره معنى مفتوحا على السّواد والفقد والرّثاء والحداد.وعلى هذا النّحو خسارة بني نبهان قائدها محمّ الطّوسي عظيمة ستنتهي بهم إلى أزمنة التّشرّد.
- الصّورة الثّانية فتأسّست على استعارة مكنيّة شبّهت فيها العلى بالانسان لحاجتها إلى التّعزية فإذا بها متأثّرة أيضا بفقد محمّد الطّوسيّ ومهتزّة للفاجعةمحتاجة إلى من يعزّيها ويلهيها عن هول الحادثة
- الصّورة الثّالثة: فقد أنجزت باستعارة أسند من خلالها فعل البكاء إلى البأس والجود وهو فعل إنسانيّ خالص وذلك لهدف تعميم المصيبة وإطلاقها فإذا بها فاجعة عامّة كونيّة يهتزّ لها الكون بأسره وتتأثّر بها المجرّدات (الجود البأس الشعر العلوّ) فضلا عن الإنسان.
- تتّحد هذه الصّور الشّعريّة في التّهويل والمبالغة والتّعظيم وهي من شعر أبي تمّام وليست هذه الصّور في احتكامها إلى المبالغة سوى دليل على أنّ الشّعر المتلبّس بالحماسة يسمو بالحادثة عن وجودها المرجعيّ إلى مرتبة الوجود الأسطوريّ العجيب فليس فقد محمّد الطّوسيّ في الواقع سوى لحظة فاجعة قد يتأثّر بها الأهل والأقارب لكن من الممتنع أن يهتزّ لها الكون من المجرّدات والمحسوسات. على أنّ أبا تمّام تعمّد تقصّد الخروج بقسم التّعزية عن هدفه الأصليّ المتمثّل في مواساة الفاقدين والعمل على التّخفيف من تأثّرهم بالفاجعة ومحاولة الهائهم عن الفقيد الميّت لينجز في مقابل ذلك هدف طارئ معاكس للهدف الأصليّ مفاده السّعي إلى تأجيج إحساس الأهل بالفاجعة وذلك ما أدّاه الاستفهام المنجز في البيت الرّابع عشر وهو استفهام ينكر الصّبر على الفقيد ويستهجنه وهو ما ينسجم مع نزعة أبي تمّام إلى تهويل المصاب وتعظيم الفقد
- من وجوه تصـرّف أبي تمّام في قسم التّعزية هو فتحه على التّأبين والتّفجّع وقد أقام مقابلة بين الماضي قبل موت الطّوسي والحاضر بعد موته أساسها إظهار التّحوّل الطّارئ على السّيوف فإذا بها منقلبة من حال المضاء والحدّة إلى حال العجز وهذا دليل تأثّرها هي الأخرى بفقدان المرثيّ.
- وعلى هذا النّحو يكفّ شعر الحماسة عن كونه مجرّد حكاية للوقائع وتأريخ للأحداث ليعدو في مقابل ذلك أقرب إلى الصّنعة المستجيبة لمقتضيات الشّعر وشروطه فمنطلقه واقعة مرجعيّة ومنتهاه واقعة شعريّة صلاتها بالمرجع الخارجيّ واهية ضعيفة لأن الشّعر ليس مجرّد إخبار وتقرير ووصف سطحيّ بقدر ما هو مجازات ومبالغات وأكاذيب فنّية.
- لمّا عاد أبو تمّام إلى التّأبين استعان مرّة أخرى باستعارة في البيت 18 فشبّه المرثيّ بالغيث لجامع العطاء والجودوالكرم وهي صورة تقليديّة موروثة أعادها الشّاعر إذ كان من المتواتر منذ الجاهليّة اتخاذ الماء ومتعلقاته مستعارات منها لإظهار الموصوف سواء أ كان مرثيّا أم مفتخرا أم ممدوحا في الكرم والجود والسّخاء.
- بعد أن ظهر أبو تمّام بمظهر المنفعل المهتزّ بهول الفاجعة عاد في البيت الختاميّ في صورة الشّاعر الّذي استعاد هدوءه وتعقّله وقد وجد في الدّعاء عملا إنشائيّا طلبيّا ما به يخفّف من تأثّره إنّه يدعو للمرثيّ بالسّلامة الإلهيّة والظّفر الأخرويّ وقد اتّبع عمل الإنشاء المتمثّل في الدّعاء باسلوب خبريّ تقريريّ جسّمه خبر طلبيّ مؤكّد بمؤكّد واحد ومحتوى هذا الخبر الخروج بالمرثيّ من دائرة الفاني الزّائل إلى دائرة الخالد الأبديّ الدّائم وليس دوامه جسديّا مادّيا بقدر ماهو معنويّ تخلّده الإنجازات البطوليّة والقيم السّامية والمثل فإذا الطّوسيّ زائل جسديّا خالد فعلا وقيما
- إنّ وظيفة شعر الحماسة بصفة عامّة وشعر الرّثاء بصفة خاصّة هو تخليد الأبطال الّذين دافعوا عن الإسلام وحفظوا قيمه ومثله وبذلك يسمو شعر الحماسة إلى التّعلّق بالقيم الّتي جسّمها الأبطال.
منشورات قد تفيدك
- وصف الحرب وآثارها في شعر الحماسة
- وصف البطل في شعر الحماسة
- الحميّة في شعر الحماسة
- وصف الحروب في شعر الحماسة الأساليب والموصوفات
- المعاجم في شعر الحماسة خصائصها ووظائفها
- تشكيل الصّورة في شعر الحماسة:الوسائل/الطّريقة
- شعر الحماسة: تفنّن في القول لإثارة الحميّة
- شرح قصيدة فتح الفتوح لأبي تمام
- شرح قصيدة فتى عنده خير الثّواب وشرّه
- شرح قصيدة يوم أرشق لأبي تمّام
- جذاذة شرح نص الجواري المنشآت ابن هانىء
- شرح قصيدة قبحا لوجهك يا زمان للمتنبي
- جذاذة قصيدة لهذا اليوم بعد غد أريج
- شرح قصيدة رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع ابن هانىء
- وصف الحروب في شعر المتنبي
- أنواع النصّ الحماسيّ
- التّوليد في شعر أبي تمّام:خصائصه/وظائفه
- أقسام المرثيّة ومعانيها