عبور الصراط

يمكن تقسيم هذا النص إلى مقطعين:

المقطع الأول: عبور الصراط

تدخلت فاطمة لدى أبيها محمد (ص)، فشفع لابن القارح وأذن له بالدخول ، واعتقدنا وابن القارح أن دخوله أكيد ، لكن الأحداث تتسارع وتتنامى وتتعقد مرة أخرى بظهور عائق جديد هو امتحان أخير يتمثل في عبور الصراط، والصراط هو طريق – حسب ما يبدو . يربط بين المحشر والجنة ، وقد بدا خاليا لا عريب عنده، لأنه لم يُشرع بعد في الدخول إلى الجنّة ، وهو ما يكشف تسرع ابن القارح خوفا من المثول للحساب مثل سائر الخلق ، لعلمه أن حسناته لا تخول له الفوز بالجنة…

يضعنا هذا المقطع أمام مشهد كاريكاتوري مضحك والإضحاك فيه ناجم عن :

  • إضحاك كلمات : مثل الجحجلول وكفرطاب وخاصة زقفونة والإضحاك هنا متأت عن تنافر الحروف فيها وعدم انسجامها وعدم تناغمها ، وكأننا بالمعري قد أدرك ما في هذه اللفظة من قدرة على الإضحاك فكررها أربع مرات.
  • إضحاك مواقف بتعريض البطل إلى مواقف حرجة مثل تصوّره في هذا النص – وهو الشيخ الجليل . يتساقط على الصراط والجارية تمارسه ، أو تصوّره محمولا على ظهرها زقفونة .

أبعاد الإضحاك :

الهزل في إضحاك الكلمات الهزء بابن القارح شخصا السخرية من بعض المعتقدات مثل الاعتقاد في وجود صراط يمر عليه الممتحن .

المقطع الثاني : مع رضوان ثانية

ساعدت الجارية ابن القارح على عبور الصراط ! وقد أيقن أنه لا محالة داخل الجنة فإرادة الرسول لا ترد ومشيئته لا تصد ، لكن عائقا مفاجئا آخر انتصب دونه والدخول هو رضوان، فتنتهي الأحداث إلى ما ابتدأت به ، وتتغلق الدائرة بأن وجد ابن القارح نفسه في نقطة البداية مع فارق الخيبة والإحباط، وكأننا بأبي العلاء قد أدرك مثل – القارئ – أن اللعبة قد طالت وأن التشويق بدأ يخف ويضعف نتيجة الإطالة والتكرار فتدخل ووضع حدا للأحداث بجذب إبراهيم لابن القارح في الجنة. وهكذا ، لئن حقق ابن القارح ما يصبو إليه وهو الفوز بالجنة فإن الطريقة لم تكن شرعية ذاك ما يفسر خوفه الدائم واضطرابه النفسي وقلقه الشديد . وهو في الجنة .

لئن كدس أبو العلاء لابن القارح في الجنة كل المتع المادية ، فإنه قد حرمه المتعة النفسية فجعله دائم الخوف دائم القلق.

لم خلد أبو العلاء ابن القارح في الجنة؟

ربما لو فعل نقيض ذلك لأثار شفقتنا وعطف قلوبنا عليه. وربما ليضعه مع أمثاله من السفلة والهمج ألم ينعتهم طرفة بن العبد في حوار له مع ابن القارح في جهنم “بالهمج ( رعاع الناس) والطعام ( الأوغاد) ولعل ذلك إمعانا في الشماتة به والسخرية منه فهو قد وفر له المتع المادية واللذات الحسية بكل أنواعها فوضعه إزاء احتمالين

  1. أن يجاري المغفور لهم في تمتعهم بهذه الملذات فيكون هزأة للمفارقة بين السن والفعل.

ب – أن يضبط نفسه ويلجمها فيكون ألم الحرمان أشد من عذاب الجحيم .

تعليق على قصة يوم الحشر

توفرت في نص يوم الحشر أغلب العناصر القصصية من إطار زماني ومكاني وبطل رئيسي وأبطال ثانويين وأدوات روائية هي السرد والوصف والحوار وقد جاء السرد في هذا النص نوعين:

  • سرد مساو لزمن وقوع الأحداث
  • وسرد مجمل ، وهو أن يختزل الراوي الأحداث في جملة ، فيكون زمن وقوع الأحداث أطول من زمن روايتها مثل قوله : ” فجعلت أتخلّل العالم” أو قوله : ” فَطُفتُ على العترة المنتجبين والغاية من التكثيف من مثل هذا السرد إضفاء سرعة على الأحداث والكثير من الحركية.

– لم يبن يوم الحشر مثل سائر القصص بتنامي الأحداث تدريجيا إلى نقطة تبلغ فيها الذروة ثم تسير باتجاه الانفتاح والحل ، بل بني بناء متموّجا قائما على ثنائية التأزم والانفراج أو الانغلاق والانفتاح وفق الرسم التالي:

وقد تولدت هذه المراوحة بين التأزم والانفراج عن التفاعل بين :

الموانع / المعيقات رضوان، زفر ، ضياع صك التوبة ، حمزة علي رضوان من جديد

العوامل المساعدة : زفر وحمزة وعلي وفاطمة ومحمد وإبراهيم

شرح نص: مع الحور — من كتاب النصوص (الجزء الأول)

تمهيد: بعد أن قص ابن القارح على عوران قيس قصة دخوله الجنة، واصل حواره مع اثنين منهما، هما راعي الإبل وحميد بن ثور، ثم واصل جولته فصادف لبيد بن ربيعة. بعد ذلك، عقد مأدبة في الجنان، حضر فيها من في الجنة من الطهاة ومن اشتهر في ذاك العصر من المغنين. ولإتمام المتعة، ينشئ الله القادر شجرة من عفز، فتثمر لوقتها، ثم تتناثر ثمارها بعدد لا يُحصيه إلا الله سبحانه، وتنشق كل واحدة منها عن أربع جوارٍ يرقصن، فتهتز أرجاء الجنة، فيختلط الأكل بالشرب بالرقص بالغناء بعريدة السكارى. ثم يخطر له أن يخلو بحورتين…

تجليات الخيال:

أ. الأسلوبية

استعمال الأفعال المضارعة رغم أن الراوي يقص أحداثًا من المفروض أن تكون قد وقعت.

استعمال الماضي في جملة شرطية تامة العناصر: “إذا بهره ما يراه من الجمال قال…”

استعمال او التخيير”: فيأخذ سفرجلة أو رمانة أو تفاحة…” التخيير هنا يدل على أن الأحداث لم تقع بالفعل، لأن السرد العادي يحيل إلى ما وقع، بينما هذه الجملة تحيل إلى ما يمكن أن يقع.

ب. القرائن المعنوية

1. تصور أحداث في الجنة.

2. طبيعة الشخوص: الجمع بين أصناف مختلفة من الأشخاص، مثل الإنس والملائكة، ثم ضرب من النساء خلقهن الله للمتعة، وإدارة حوار بينهم.

3. قلب صورة المغفور لهم من القبح إلى الجمال ومن النقص إلى الكمال: مثال: حمدونة، التي كانت في الدنيا كريهة الرائحة ومن أقبح نساء حلب، صارت في الجنة من أجمل النساء، كأنها الياقوت أو المرجان. توفيق السوداء، التي صارت أنصع من الكافور.

4. الأحداث الخارقة: خروج الجواري من الثمار. تشكّل الجارية حسب رغبة ابن القارح، فقد كانت ضعيفة في البداية، ثم نفخ الله فيها فصار ردفها يضاهي كثبان عالج وأنقاء الدهناء.

هذا النص يعكس أسلوب المعري الساخر والتخيّلي، حيث يصوّر الجنة بطريقة تتنافى مع المألوف، مما يجعله نقدًا غير مباشر للأفكار السائدة حول الثواب والعقاب في الآخرة.

يضعنا هذا النص إزاء عالم عجيب تكتنفه الخوارق كأنه عالم ألف ليلة وليلة .

مظاهر الإضحاك وأهدافه:

المفارقة بين الواجب والحاصل:

الواجب ما يجب أن يكون : الخشوع والوقار في عالم أخروي مقدس ، ثم هو شيخ طاعن في السن يصلي ، يسجد في خشوع وانقطاع كلي إلى الله . ما يأتيه من أفعال شهوانية : استراق النظر إلى الجاري.

إضحاك المواقف بأن جعل الراوي ابن القارح يعيش مواقف حرجة ، كأن يفسد عليه متعته ، فيتصوره يترشف رضاب جاريتين، ويستعذب ريقهما الطيب طيب الخمر ورائحتهما الفواحة كالخزامي وهو في قمة النشوة تفاجئه إحداهن بالكشف عن هويتها فإذا هي توفيق السوداء ، وإذا بمرافقتها حمدونة التفلة . فكأننا بأبي العلاء قد استكثر عليه هذه المتعة فأبى إلا أن ينقصها عليه . ما الغاية من هذا الإضحاك ؟ الإضحاك هنا أقرب إلى الهزء منه إلى السخرية.

التصوير الكاريكاتوري : ويقوم على تشويه الشخص بالتركيز على عضو ما، تضخيما أو تصغيرا ، ففي هذه الصورة عمد أبو العلاء إلى النفخ في عجيزة الجارية حتى صار من ورائها ردف يضاهي ” كثبان عالج وأنقاء الدهناء وأرملة يبرين وبني سعد

أبعاد النص

الابعاد الغيبية ، طبيعة الحياة في العالم الآخر : طرح أبو العلاء هذه القضية انطلاقا من فعل ” يخلو ابن القارح بحوريتين ، فلماذا يخلو ؟ هل خوفا ؟ هل في الجنة ممنوعات ومحرمات ومحظورات ؟ فيعمد الإنسان إلى إتيان بعض الأفعال خفية وخلسة ؟ فما حرّم في الدنيا هل يمارس في الجنة في الخفاء ؟ ألا نجد أنفسنا حينئذ إزاء جنة ناقصة ، مقيدة ؟ أم أنه مباح ، يمارسه الإنسان أين ما شاء ؟ ألا نجد أنفسنا في جنة موبيقات ؟ يا ليت شعري ما الصحيح ؟ كما قال أبو العلاء في لزومياته.

الابعاد الوجودية: لئن طرح أبو العلاء في لزومياته قضية الجبر والاختيار في أسلوب مباشر فإنه في هذا النص قد طرحها عبر التلميح والإشارة بأسلوب قصصي تصوّر فيه ابن القارح في الجنة وقد التقى بجارية خرجت من الثمرة قالت له إني أمنى بلقائك قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعة آلاف سنة » . هل يعني هذا أن الله قرر مصير ابن القارح قبل خلقه بأربعة آلاف سنة ؟ ألا يصبح الامتحان في الدنيا صوريا شكليًا

الابعاد الاجتماعية

نقد معتقد التعويض (حمدونة وتوفيق السوداء)

نقد تصوّر الناس لدور الله في الجنة على أن لا هم له إلا تلبية رغبات المغفور لهم.

طرح أبو العلاء في هذا النص قضية الجزاء، فكما سخر من الجزاء نتيجة الأقوال، سخر من الجزاء الذي لا يكون نتيجة اختيار عن اقتناع مثل الزهد الاضطراري، فحمدونة جوزيت وأدخلت الجنة نتيجة زهدها لكن هذا الزهد كان اضطراريًا “فلما عرفت ذلك زهدت في الدنيا الغرارة”.

السخرية من ابن القارح شخصًا

ابن القارح الماجن: بدا ابن القارح في هذا النص إنسانًا شهوانيًا ماجنًا، لم تكفه جارية واحدة فعمد إلى اثنتين: ويخلو. لا أخلاه الله من الإحسان. بحوريتين له من الحور العين. . يترشف رضابهما “كما بدا مجونه في استراق النظر. وهو يصلي – إلى الحورية التي خرجت من الثمرة.

ابن القارح رقيق الدين لا نجد ابن القارح طوال رحلته، يبدي حمده لله إلا نتيجة حادثة ما، وكأن إيمانه في حاجة إلى منبهات، فهو مثلا في هذا النص لم يحمد الله إلا لما روت له توفيق السوداء ما كانت عليه من سواد فقال: “لا إله إلا الله”، بل نجد ابن القارح أحيانًا جاهلًا بقدرة الله متناسيا أنه يقول للشيء كن فيكون، فلما حدثه الملك عن ضروب النساء في الجنة عجب!

إحكام البناء والتفكك

يتكون هذا النص من مشهدين:

  • المشهد الأول: مع الحوريتين (توفيق وحمدونة)
  • المشهد الثاني مع الحور العين.

ولا نكاد نجد بين المشهدين علاقة سوى واو العطف في قوله “ويمر” التي جعلت الأمر وليد الصدفة لكن المتأمل يتبين بين المشهدين علاقة خفية، فكأننا بابن القارح خاف أن يخيب ثانية، فيقع فيما وقع فيه في المغامرة الأولى فاستنجد بأحد الملائكة.

رحلة الغفران من المنظور النفسي

يصور فعل ” يترشف متعة ابن القارح في خلوته ، لكنّه في نفس الوقت يشي باستمتاع بما يصف وتلده بما ينقل، وهو ما دفع بعض النقاد إلى القول إنّ أبا العلاء قد صاغ جنّته بنعيمها وخيراتها ولذاتها ومتعها متأثرا بعالمه النفسي الباطني ، يبدو أن حرمان أبي العلاء نفسه في الدنيا من الملذات ما ينيف عن نصف قرن، قد انعكس على صورة الجنّة ومكوناتها ، أي أنه حقق في جنّته ما حرمه في دنياه ، وهو ما أسمته بنت الشاطئ بـ “جنة المحروم ” ونفس الأمر يقال عن الحركة في الرّحلة ، إذ يبدو أن حياة أبي العلاء الهادئة الرتيبة الخالية من الحركة قد انعكست على تصويره الجنّة فجاءت مليئة حركة نفسية (الخوف، الانفعال ، اللذة ، الشماتة ، الغضب ، النشوة ، الحذر ) والعضوية ( التنقل ، الركض ، المشاجرة والضرب ) وهو ما أسمته بنت الشاطئ بـ “جنة الحبيس” . لكن النظر إلى رسالة الغفران من هذه الزاوية فقط يجردها من كلّ إرادة وقصد من لدن الكاتب ومن أبعادها النقدية ، ويجعلها مجرد ردود فعل لا واعية ولا إرادية.

رسالة الغفران إذن قصة خيالية وضعها أبو العلاء لأسباب عديدة منها السّخرية من عصره بصفة واعية، وهذا لا يمنع أنّ لاوعي الكاتب قد يتسرب من حين لآخر في وصفه أو سرده ، لكن كل ذلك بصفة نسبية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top